النويري
73
نهاية الأرب في فنون الأدب
أرأيت هذا المنزل [ أمنزل [ 1 ] ] أنزلكه اللَّه عز وجل ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والميكدة ؟ قال : « بل هو الرأي والحرب والمكيدة » ؛ فقال : يا رسول اللَّه ، فإنّ هذا ليس [ لك [ 1 ] ] بمنزل فارحل [ 2 ] بالناس حتى نأتى أدنى ماء من مياه القوم فننزله ، ثم نعوّر [ 3 ] ما سواه من القلب ، ثم نبنى عليه حوضا فنملأه ماء ، ثم نقاتل [ القوم [ 1 ] ] فنشرب ولا يشربوا ؛ فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « لقد أشرت بالرأي » ؛ وفعل ما أشار به الحباب . وقال بزرجمهر : أفره ما يكون من الدوابّ لا غنى به عن السوط ، وأعقل ما يكون من النساء لا غنى بها عن الزوج ، وأدهى ما يكون من الرجال لا غنى به عن المشورة . وقيل : كانت اليونان والفرس لا يجمعون وزراءهم على الأمر يستشيرون فيه ، وإنما يستشيرون الواحد منهم من غير أن يعلم الآخر به ، لمعان شتّى : منها لئلا يقع بين المشاورين منافسة تذهب أصالة الرأي وصحّة النظر ، لأن من طباع المشتركين في الأمر التنافس والتغالب والطعن من بعضهم على بعض ، وربما أشار أحدهم بالرأي الصواب وسبق إليه فحسده الآخرون فتعقّبوه بالإعراض والتأويل والتهجين وكدّروه وأفسدوه . ومنها أنّ في اجتماعهم على المشورة تعريض السرّ للإضاعة والشناعة والإذاعة ؛ ولذلك قالت الفرس : إنما يراد الاجتماع والكثرة والتناصر في الأمور التي يحتاج فيها إلى القوّة ، فأمّا الآراء والأمور الغامضة فإنّ الاجتماع يفسدها ويولَّد فيها التضاغن والتنافس .
--> [ 1 ] الزيادة عن الطبري جزء خامس ص 1309 من القسم الأول طبع ليدن . [ 2 ] في الطبري وسيرة ابن هشام : « فانهض » . [ 3 ] نعوّر : نطمّه ونردمه بالتراب حتى ينضب الماء .